ابن أبي الحديد

215

شرح نهج البلاغة

ويلك ! من هذا ؟ قال : هذا حذافة بن غانم مربوطا مع ركب . قال فالحقهم فسلهم ما شأنهم وشأنه ، فلحقهم أبو لهب فأخبروه الخبر ، فرجع إلى أبيه ، فأخبره ، فقال : ويحك ! ما معك ؟ قال : لا والله ما معي شئ ، قال : فالحقهم لا أم لك ! فأعطهم بيدك ، وأطلق الرجل ، فلحقهم أبو لهب ، فقال : قد عرفتم تجارتي ومالي ، وأنا أحلف لكم لأعطينكم عشرين أوقية ذهبا ، وعشرا من الإبل وفرسا ، وهذا ردائي رهن ، فقبلوا ذلك منه ، وأطلقوا حذافة ، فلما أقبل به وقربا من عبد المطلب ، سمع عبد المطلب صوت أبي لهب ، ولم يسمع صوت حذافة ، فصاح به : وأبى إنك لعاص ، ارجع لا أم لك ! قال يا أبتا هذا الرجل معي ، فناداه عبد المطلب : يا حذافة ، أسمعني صوتك . قال : ها أنذا بأبي أنت وأمي يا ساقي الحجيج أردفني ، فأردفه حتى دخل مكة ، فقال حذافة هذا الشعر . قال الزبير : وحدثني عبد الله بن معاذ ، عن معمر ، عن ابن شهاب ، قال : أول ما ذكر من عبد المطلب أن قريشا خرجت فارة من الحرم خوفا من أصحاب الفيل ، وعبد المطلب يومئذ غلام شاب ، فقال : والله لا أخرج من حرم الله أبغي العز في غيره ! فجلس في البيت وأجلت ( 1 ) قريش عنه ، فقال عبد المطلب : لا هم إن المرء * يمنع رحله فامنع حلالك لا يغلبن صليبهم * ومحالهم أبدا محالك ( 2 ) فلم يزل ثابتا في الحرم حتى أهلك الله الفيل وأصحابه ، فرجعت قريش وقد عظم فيهم بصبره ( 3 ) وتعظيمه محارم الله عز وجل ، فبينا هو على ذلك - وكان أكبر ولده وهو الحارث بن عبد المطلب قد بلغ الحلم - أري عبد المطلب في المنام ، فقيل له : احفر زمزم ، خبيئة الشيخ الأعظم . فاستيقظ فقال : اللهم بين لي الشيخ ، فأري في المنام مرة أخرى :

--> ( 1 ) أجلت : تفرقت . ( 2 ) المحال : القدرة . ( 3 ) ب " بصيرته " تحريف ، صوابه في أ .